Thursday, Dec 12th, 2019 - 16:41:21

Article

Primary tabs

ألحراك بين المطالب والأهداف

حبيب البستاني
كاتب سياسي

يجمع الجميع موالاة و "معارضة" أن المطالب التي نادى بها الحراك هي مطالب محقة تتعلق بوجع الناس ومعاناتهم من الوضع المعيشي السيء الذي تمر به البلاد، والذي انعكس سلباً على حياتهم اليومية واحتياجاتهم وبات يشكل خطراً على مستقبلهم وعلى مستقبل أولادهم.
ولقد جاء هذا الحراك بعد سلسلة من الأحداث لا سيما الحرائق التي اجتاحت كل المناطق اللبنانية دفعة واحدة، وبغض النظر عن الأسئلة المشروعة حول الحرائق وأسبابها وتوقيتها، فإن الطريقة التي تصدت لها الدولة بينت بشكل لا يقبل الشك ضعف الإمكانيات وعدم وجود الوسائل اللازمة للقيام بعمليات الإخماد والإخلاء والإسعاف، وراحت قوى المجتمع المدني تصوب على الدولة بشكل يدعو لطرح العديد من الأسئلة عن أسبابها، في وقت كان إداء العديد من المسؤولين وحتى السياسيين منهم دون المستوى المطلوب وبين أكثر وأكثر ضعف هؤلاء وعدم خبرتهم في التصدي واستيعاب غضب الناس في هكذا حالات.
ولكي نكون موضوعيين لا بد من الإشارة أن دولاً عظمى مثل الولايات المتحدة وأستراليا لم تتمكنا من السيطرة على هكذا حرائق بالرغم من امتلاكها لأحدث الوسائل والتقنيات.

الرئيس في نيويورك حاملاً القضية اللبنانية
كل ذلك حدث في غياب فخامة رئيس الجمهورية الذي كان يقف على أعلى منبر في العالم، متكلماً بإسم لبنان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة للدفاع عن القضية اللبنانية وحقوق لبنان في أرضه ومياهه، وضرورة عودة النازحين التي باتت تشكل عبئاً كبيراً لا سبيل لهذا البلد الصغير على تحمله، معلناً وبالفم الملان أن لبنان لا يستطيع انتظار الحل السياسي لتأمين العودة بل إنه سيقوم بكل الخطوات في سبيل العودة الآمنة.
ولم يكد فخامته يعود من نيويورك حتى بدأت الحملة عليه محملة إياه كل التقصير التي تعاني منه الدولة منذ أكثر من ۳۰ سنة، هذا وبالرغم من مطالبة الرئيس بالتحقيق في أسباب التقصير لا سيما في ما يتعلق بطائرات السيكورسكي المتوقفة عن العمل والخاصة بمكافحة الحرائق.
ولم يكد البلد يتنفس الصعداء بالقضاء على الحرائق وذلك بمساعدة " ربانية " تمثلت بتدخل الجنرال
" شتاء " في إخماد الحرائق بصورة كاملة، حتى انفجرت أزمة أشد وأدهى دفعت المواطنين للنزول إلى الشارع مستغلة قرار اتسم بالغباء لوزير الاتصالات، ولم تنفع العودة عنه بإخماد نار الشارع الذي لاقته محطات إعلامية وبوسائل حديثة وبإمكانيات لوجستية ضخمة وحملات منظمة على مواقع التواصل الاجتماعي، أدت إلى ترسيخ الحالة الثورية في شوارع العاصمة ومختلف المناطق اللبنانية.
كل هذا الحراك كانت ترافقه إجراءات مصرفية غير مسبوقة فاختفت الورقة الخضراء من السوق، وارتفع سعر الدولاربشكل جنوني في السوق الموازية وشهد البلد شحاً في المحروقات وتحرك وتهديد المخابز والأفران، وقد كان لتدخل فخامة الرئيس الشخصي مع حاكم المصرف المركزي الأثر الفعال في تهدئة الأسواق من خلال سلسلة إجراءات.
وبعد تفاقم الأزمة وإقفال الطرقات وشل الحركة المصرفية والتجارية ومشاركة أمراء الميليشيات في إقامة الحواجز والإشراف عليها وتوارد معلومات عن أخطار محدقة بالسلم الأهلي، تدخل الجيش اللبناني لفتح الطرقات وفي نفس الوقت المحافظة على المتظاهرين في الساحات.

الحراك وبنك الأهداف
وبالرغم من دعوة فخامة الرئيس للحوار واستقالة الحكومة والاستعداد لإجراء مشاورات وتشكيل حكومة جديدة يستمر الحراك متخذاً هذه المرة أشكالاً مختلفة وهذا إن دل على شيء فهو يدل :
1- أن الثوار كما يحلو للبعض تسميتهم ليس لديهم فقط مطالب إجتماعية محقة إنما أصبح لديهم بنك أهداف يعملون عليه بصورة ممنهجة للوصول إلى مبتغاهم، وهذا يعني أن هنالك مخططات جهنمية رسمت لهذه الثورة ووضعت من قبل مخططين لديهم خبرة كبيرة في إدارة وتوجيه التحركات، وهذا يتجاوز قدرات ما يسمى بالمجتمع المدني وأصحاب الحراك الحقيقيين المنتمين إلى المجموعات الشبابية واليسارية والقوى الدائرة في فلكها.
2- أصبح واضحاً ولأكثر من متابع ومراقب أن هذا التحرك ليس بالبراءة التي يدعيها وهو وفي أحسن الأحوال وإن لم يكن مرتبطاً بأجندات خارجية فهو حكماً يتقاطع معها، وما النداء الأخير لوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو لشعبي العراق ولبنان للتحرر من السيطرة الإيرانية، إلا خير دليل على ذلك.
3- لقد تبين ومن خلال دخول تشكيلات سياسية معروفة لا سيما حزبي الكتائب والقوات اللبنانية التي لها أجندتها الخاصة بإعادة بسط نفوذها على الشارع "المسيحي" وهو حلم اليقظة المتجدد لديها والذي شكل مجيء العماد عون إلى الرئاسة الأولى حائلاً دون تحقيق أحلامها.

ألحلول
في ظل هذه المخاطر المحدقة والأحوال الصعبة التي يمر فيها البلد، وفي ظل الضغوطات الأميركية والمتمثلة بعدم السماح بعودة النازحين وتوطين الفلسطينيين تنفيذاً لصفقة القرن، وفي ظل التلويح بسياسة الجزرة والعصا التي تمارسها، بات ملحاً الإسراع بتشكيل حكومة تنفذ تطلعات فخامة رئيس الجمهورية وأهدافه الإصلاحية، التي تتمثل بخارطة الطريق الثلاثية التي أعلنها والقائلة بمكافحة الفساد وتعزيز الاقتصاد وإنشاء الدولة المدنية، من هنا فإن حكومة تضم كفاءات وأشخاص متمتعين ليس فقط بالكفاءة والنزاهة، إنما متمرسين بمخاطبة الناس وفهم مشاكلهم واستنباط الحلول و باستطاعتهم إيصال الصوت حيث يجب، هي كفيلة بإحداث صدمة إيجابية.
لقد قام هذا العهد بأكبر الإنجازات وعلى مختلف الصعد الأمنية والتشريعية والتنفيذية والإدارية، وعلينا جميعاً أن نعمل في تظهير ذلك بغية استعادة ثقة الناس، فليس غريباً أن يكون معظم الناس في الحراك ينادون بما ينادي به فخامة الرئيس، ففخامته وبرؤيويته وبعد نظره استطاع حتى استباق الحراك وليست الدولة المدنية سوى مثال على ذلك، ولكن من المستغرب أن لا يعي هؤلاء أن فخامته كان قد تبنى تلك المطالب ويعمل على تحقيقهأ، ومن هنا يشكل الحوار مع هؤلاء وضرورة مشاركتهم في مركز القرار أحد مرتكزات الحل السياسي.

Back to Top